عموش قيطوان ... الغائب المنسي

جمهور كركوكلي
كان اسما معروفا بالنسبة لنا ، نحن جيل الأمس الجميل ، ووجها محببا  الينا نحن الذين عاشرناه ، وأستمتعنا بحلو كلامه ، وشهدنا مزاياه النبيلة ، كان قامة مديدة  من قامات النضال القومي التركماني ، ونموذجا متميزا لشخص فيه كل صفات الود والتسامح ، ذلك هو عموش قيطوان أو ( عموش جايجي ) كما كان يسمى ، رحمه الله، فكلما استذكرت اسمه ومواقفه ، تتداعى الى نفسي أنهار من الخواطر ودفقات من المشاعر  النبيلة، ويتداعى إلى ذهني فيض لا ينتهي من المواقف المشهودة والأفعال المحمودة لذلك الانسان الرائع الذي اختزل صور و معاني العطاء والكرم والسماحة بمواقفه الإنسانية وسجاياه الحميدة .
لثلاثة عقود من الزمن ، كان مقهى عموش جايجي ، القائم في ساحة الميدان ببغداد ، ملتقى اثيرا للتركمان ، ويشكل لهم  مركزا ثقافيا واجتماعيا  ،  يرتاده الطالب الذي يواصل دراسته في كلية من  كليات  بغداد ، والمراجع لاحدى دوائر العاصمة لاكمال معاملة ما  ، والمقيم الذي اتخذ بغداد سكنا له ، والعسكري الذي يؤدي خدمة العلم في أحدى وحدات الجيش هناك ، خلاصة القول ، كان مقهى عموش بمثابة محطة استجمام لكل تركماني يزور العاصمة او يقيم فيها .
ومن مواقفه النبيلة التي لا تعد ، ما رواه لي  صديق من أهالي ( كفري ) حيث ذكر انه كان يرافق والده المريض الراقد بمستشفى مدينة الطب لاجراء عملية جراحية كبرى ، فطلب منه الأطباء أن يؤمن قنينة دم من فصيلة (  ) لعدم تيسرها في المستشفى ، اذ من المعروف ان الفصيلة المذكورة  من اندر فصائل الدم ويصعب الحصول عليها بسهولة ، يقول الرجل : قصدت منطقة البتاوين التي يكثر فيها الأشخاص الذين يتبرعون بالدم مقابل مال ، ولم اجد عندهم الفصيلة المطلوبة ، فحرت ماذا اعمل وكيف احصل على الدم والوضع حرج وانا لا اعرف أحدا في بغداد ، فاشاروا الى ان اقصد مقهى عموش في منطقة الميدان ، يضيف : بحثت عن المقهى ، فدلوني عليه ، فوجدته ،  فسلمت على المرحوم عموش جايجي وحكيت له ما جرى لي  ( وانا لا اعرفه من قبل ) فقام المرحوم عموش وصاح بالحاضرين من رواد المقهى ، بلغته العامية واسلوبه السهل المنبسط    : ( اخوان هذا اخوكم من اهل كفري ومحتاج بطل دم ، وين أبو الغيرة والشهامة اللي يلبي طلبه ) فقام اثنان من الجالسين احدهما بالزي العسكري ، ورافقاني  الى المستشفى وتبرع  احدهما مجانا ، بقنينة دم لابي المريض لان دمه كان مطابقا للدم المطلوب .
يكمل الرجل حديثه قائلا : ان انسى لا انس ما حييت تلك الوقفة الابوية التي وقفها معي المرحوم عموش جايجي ، واغاثته لي في تلك الساعة الحرجة والموقف العصيب ...
وبعد .. فهذا غيض من فيض المواقف النبيلة للأنسان الرائع ( عموش ) الذي كان مقهاه واحة أمان وراحة لكل التركمان في بغداد ، ومحطة تعارف بينهم ، وظل كذلك الى سنة 1980 حيث أعدم القادة التركمان  الأربعة ، الذين كانوا أصدقاء المرحوم عموش ، وخصوصا الشهيد عادل شريف ، الذي كان من اقرب المقربين اليه ، وعلى أثره ، ضيقت السلطات القمعية الخناق على مقهى عموش باعتباره ملتقى للتركمان ، وسيق صاحبه مرارا الى التحقيق والاستجواب والمضايقة ، حتى أضطر أخيرا الى غلق مقهاه وعاد ادراجه الى كركوك ، وافتتح محلا صغيرا في محلة بيريادي وظل على تلك الحال ، الى ان أرتحل الى الرفيق الأعلى في عام 1991 ، فغاب عن المشهد جسدا ، لكن مواقفه الإنسانية الرائعة وافضاله على بني قومه ، تظل شاخصة بيننا ، وستظل كذلك الى ما شاء الله  .

أضف تعليق