في المشروع التركماني وصناعة الغد

المشهد المنظور ظواهرباً ( نسبة إلى الظواهر جمع ظاهرة ) ، لا يعكس البتّة المحتوى الضامن للإستدامة في هوية شعب ما ، لإنه محكوم بوقتية التأمل و التأثير و الإستنتاج و رقعته ضيقة ، و ليس بوسعه خلق أرضية غير قابلة للتحوير

قاسم آق بايراٌق                          

( الإحساس بالشيء و إدراكه شيء ، وماهية ذلك الشيء كشيء ، شيء آخر )  

[ الإستهلال ]

•    المشهد المنظور ظواهرباً ( نسبة إلى الظواهر جمع ظاهرة ) ، لا يعكس البتّة المحتوى الضامن للإستدامة في هوية شعب ما ، لإنه محكوم بوقتية التأمل و التأثير و الإستنتاج و رقعته ضيقة ، و ليس بوسعه خلق أرضية غير قابلة للتحوير ، و شتّان ما بين الجوهر و الشكل المتاح للنظر ، لإن الجوهر لا يخضع لإحكام بصرية مُحدّدَة المعالم ، البنية المُشكِلة للأرضية اللامرمئية للجوهر الداعم لأسس شعب ما ، تكتسب شرعية تاريخية و ذاكرة قومية ضامنة للمراحل التي تستلهم مفاهيم مرحلية مختلفة في سياق التاريخ الجاري ، الاُسس هذه هي أعمدة التشكل و التثبيت والثبات ، تمنح حوافز الإستلهام و الإستقراء و الإدراك النوعي للنوعية القومية الإنسانية و تستولد مفاهيم ثبوتية خاصة للتأوليل المحيطي و المجال المرئي و اللامرئي ، وبقدورها ضمان الآتِ بشكل كبير في خصوصية متفردة تحتوي القريب المنتمي و تُدهش البعيد اللامنتمي .
•  الموجودات تكتسب مسّمياتها من المفاهيم القادرة على البوح بالمعنى المغّطي للبؤرة الجامعة لمفردات شعب ما ، الموجودات هذه إن كانت مرئية أو لامرئية – حسّية كانت أو روحية – تنساق في إثر المنظور الذي يسود في المجتمات الجامعة لشعب ما ، ما هي مُحَدِدات هذه المفاهيم حسب المنطق الإستقرائي ، أسباباً كانت ، أم مُسّببات و نتائج ، المُحَدِّدات مسار رحب لصيرورة التاريخ كزمن يتحرك و كوقائع تجري بشكل مباشر و غير مباشر ، أي بفعل خارجي قسري ، و فعل داخلي طوعي ، و بمكان مُحَّدَّد برقعة جغرافية ثابتة ، و اُخرى مُتحرِكة ، الذاكرة الجمعية داعمة قوية لهذه المُحَدِّدات ، و إلاّ فالفناء حتمية زمانية و مكانية ، ما عدا الفناء بأمر إلهي كما في الأزمنة السحيقة ، و لذلك التاريخ مصطلح مُتحرِك و مُقَنَّن يستعين بجزء مِنْ هذه المُحَدِِّدات لا كلها ، لذا تراه عقيما ً جامداً فاقداً للديناميكية ، و لا يعدو إلاّ سرداً لأمزجة الأمراء والسلاطين و الملوك و الحكام و بطولاتهم المُزَيَّفَة ، إلاّ القليل منه يتسم بالموضوعية و العلمية و العقلانية ، المفاهيم أيضاً مُتَحَرِّكة ضمن هيمنة وقائع سردية مُلَقَّحَة بأس بشري يوازي الإستدراك المفاهيمي المُسْتَوْلَد ، المفاهيم هذه تنحو منحى التغطية تارة ، و الإحتواء تارة اُخرى حسب السياقات التي تنساق خلف المنطق الّذي يضم الأس الذهني و طرائق التفكير لشعب ما .  الحياة ليست حيازة مفاهيمية تُلغي الإدراك ( العقل) و الحس ( الأنسنة ) و الأستلهام ( الروحية الصوفية ) ، بل تخطو بموازاة الأجتهاد و الأبداع و التجديد، لأن دون الإبداع و التجديد لا مبرر لوجود الإنسان و التاريخ و المفاهيم و المنطق ، لإنَ الكون ، و كذلك الموجودات ذات معاني متحركة مطاطية ، و المفاهيم كذلك لها تناصات الخطاب المطاطي ، و النظرة السائدة في شعب ما و التي تستتر خلف مفاهيم مُؤَدْلَجَة و طليقة تُحَدِّد المنظور العمودي و الأفقي لمنطق الوقائع المتحركة و التاريخ المتحرك صوب الغيب اللامرئي و الحاضر المُؤَدْلَج و الماضي المُقنَّن بخطابات شتّى ، السبيل الأفضل لخلق طمأنينة الإنتماء لإنسنة المنظور هو الذاكرة الجمعية التي تحتوي و تختزل و تأبى الإلغاء السلبي و الإيجابي .
•  النظرة التي تتعمد التسطيح المعرفي جهلاً و فقراً في الرؤية الجدلية للأشياء ، تنأى قسراً عن الولوج في دهليز االمعنى اللامرئي المُشَكِّل للجوهر الثابت ثبوت المنطق الإستدلالي بماهية الحقيقة و نسبيتها ، وفق مديّات التأرجح بين الإصالة و الشخصية القومية النوعية و المحاكاة الساذجة للغير بحجة إدّعاء السير في منحى التراقي والتحضر ، أين السر في تحديد الشروط التي تمنح الملامح للخصوصية النوعية   ( الشخصية القومية ) ، حتّى يمكن القول بأن شعباً ما له خاصية حية ديناميكياً ، ويمتلك زمام ماهية متحركة تتخطى التأطيرات النمطية الآنية ، و إشكالات الإخفاق و النجاح ، أعتقد أن تجريبية الحياة و تطبيقاتها تُعتبَر ظواهر تجّلي مستويات الكفاءة و الحيوية في ثقافة ( الثقافة بمعناها الشمولي و المفاهيمي ) شعب ما ، و ماهية هذه الثقافة مِنْ حيث تسمية الأشياء بأسمائها ، و ضبط ايقاع الدور التاريخي ( ماضي + حاضر + مستقبل ) المتحرك ، وخلق حالة الإنبهار لدى بقية الشعوب ، بموقع تحضُّري إمتدادي مكاني و تثبيت زماني لا يفبل الإلغاء و الإنكار ، و بالتالي الاُمم الحيّة ليست اُمم كواليسية تهوى أن تُنقاد بصيغ العمى الهامشي ، بل تخلق الوقائع الحسية و الروحية بإمتياز إنساني على أشواط المعرفة ( بمفهوم كلي الشمول ) دون سطوة السيف و مبادىء الإزاحة القسرية ، لإن الشعب الحي شعب متحرك عبر مفهوم الزمن في فلسفة التاريخ المنساب منذ القدم إلى يومنا هذا ، يستعين به التاريخ حين يُدَّون سرده بكل موضوعية و علمية ، وعبر مفهوم المكان في تشكيل الوعي الوقائعي النوعي لرقعة جغرافية مُحَدَّدة و غير مُحَدَّدة، تُسمّى حسب مفهوم الوعي بمعايير الرقعة و تسميات المكان ، ثقافة أيّ شعب قيمة إستراتيجية تحتل الحيّز الأكبر في الذاكرة القومية و تمنح الشعب ملكة البقاء حيّاً ، و الإستمرار في الوجود ككيان غير قابل للإزاحة . الشعب الحي حتماً يمتلك ثقافة حيّة ذات إستقراءات حسية و روحية  .

•   فعل الإنسان ( أي إنسان ) مقياس نسبي للحيونة و الأنسنة ، كإستجابة غريزية لنمطية الإعتياد في غياب الحد الإعتباري للأنسنة ، أي هو فعل يستند إلى العمق الخام دون وازع إدراكي بالإستنتاج الموضوعي و ما يترتب عليه مِنْ مستجدات ، و يقابله فعل مُحَدَّد بوعي نوعية الأثر ، يأخذ بالإعتبار حرفة التمييز كإرادة أخلاقية إدراكية ، و حرية إستراتيجية للعقل في التفكيك و الربط و الإكتشاف و الممانعة و الإختبار و الإختيار ، رد فعل يستوعب الدور و يُنتجه ، مكمن الخطورة بين التقليدية و الحيوية التحديثية ، أي بين الانبهار الزئبقي و الإعجاب الطارىء ، الإستدلال قد يشكل حالة تصادم مع النتائج المتمخضة وفق المألوف المقنَّن بالضد مِنْ المنطق الذي هو حد حدود العقل و فعله ، لإنَ المنطق صنو الرياضّيات (كعلم) في صرامته وجديته و عدم مساومته  .
•   الفعل (أي فعل) تجّلي حيوي لسد فراغ الوظيفة (واجب إدائي تجاه البيئة و المفاهيم و القيم ) وإنعكاس إجرائي لخبايا العوالم المختلجة لِكُنْه الإنسان بفصل المؤثِرات و حركتها مِنَ الداخل ( الإنسان ) إلى الخارج ( البيئة و حركة الفعل واقعياً ) و بالعكس ، و بالمحصلة هذا الفعل هو رد فعل إرتباطي مقيَد بما هو دونه ، ورد فعل يتقمص حيّز الإنعكاس مِنَ الوجهة النتائيجية ، ليناظر فعلاً كان العلّة لحركته ، و بالتالي رد الفعل هذا هو فعل بتجّلي آخر ، فعل (رد فعل) = ردفعل (فعل) . مكمن الفزع في كيفية و ماهية المعايير الدافعة و الحاضنة لحالتي الإنبساط (التقدم) و الإنقباض (التقهقر). التوازن ضروري و ملِح بين المؤثِرات (الخارج) و كل الإنسان – فعل العقل و القلب و الروح (الداخل) لإنه الحافز و الحاضن في إبراز و توجيه الفعل المتحرك صوب بلورة الأرضية المُشكلِلة لأنساق التفكير في عملية التغيير التحضّري ، و تأصيل الكيان النوعي ، و التهيؤ لبث إباحة النطق بالحقيقة و جوهرها (الله ، الإنسان ، الواقع ، الماضي ، الحاضر ، المستقبل ، السببية ، المنطق ، الإرادة ) ككل بموضوعية رصينة لها شروطها و أدواتها التي تنحى منحىً متوازياً مع الحقيقة المجرّدَة ذاتها ، و تأتلف مع الجزئيات الواقعية النسبية للحقيقة المتجلية في مدّياتها التطبيقية . مابين المتخيل الذي يخضع لتصور ضبابي غير مُحَدّد المعالم ، و المعاش الموجود الذي خضع و يخضع لمعيار كيفي بوعي خامل سطحي الرؤية . ثمّة فراغات شاسعة إستيعابية تستوجب ملئها بتأصيل حقيقي و جدّي ، عبر ممارسات الإستقراء و طاقات الحدس التي لها ملكة تجاوز الوعي الداجن الذي ألِف الأشياء بظواهرها الحسّية العقيمة ، وإستسلم لأسطحها الخارجية ، و عدّها بديهيات منطقية و حقائق لا تقبل النقض و السجال وإعمال الفكر فيها . على الوعي المتحرك (المتحرك يُقصد به متقد له مقدرة الإدراك و التحليل و التعليل و الإستلهام ل  علّة + معلول ↔ نتيجة ، وله أدوات الإستنباط و الإكتشاف للتأسيس ثانية) التخلص مِنْ عملية التدجين المستمرة للوعي التقليدي ، و مِنْ الوعي الداجن نفسه الخاضع لمزاجية أنانية و ضحالة إنسانية و جهل معرفي ينتج الجمود و يحتضنه لإدامة الحيونة المقيتة و الفردية النرجسية في محيط الأنسنة الجمعي
•   المخرج مِنْ هذه الإشكالية ، هو الولوج الى البنية التي تُمسك بزمام ماهية وروحية الحقيقة المُكَّوِنَة لذات الأشياء ، بآليات تفتح آفاق الإحاطة بسبل الوعي و الحدس ، لتكون قادرة على تشكيل تصور محدَّد و غير محدَّد يستهدف تحقيق الحقيقة لذاتها كقيمة مجرّدَة ، و إستقراء منطقي يستحضر السكينة التي تسبق الإعتقاد كحالة إدراكية و إستلهامية إبتغاءاً للتوازن الذي يدفع بإتجاه الإحساس بالأشياء و الموجودات و الذات الإنسانية و إدراكها ، إمعاناً في تهيئة الوعي لمستلزمات الآتي إستباقاً للمفاجآت و الوقائع ، و تقبلها و التعامل معها بخلفية بمقدورها خلق التصور و الإستلهام . ايجابية مستويات الوعي وتقنيات الروح اللامرئية للامرئيات ، و أسلحة القلب و البصيرة للشعور بالوجه الآخر للكون الحسّي و الإعتباري  . إذا إعتبرنا الذات الإنسانية المحور الذي يستقطب غيره كوسيلة لغايات ما ، و الدور المكلَّف بلإنجاز و الوظيفة الملزَم إجرائها إداءاً و تأثيراً ، و المسؤولية إكمالاً للتحوط مِنَ الفوضى كنتيجة لسوء الإعتقاد كمبدأ و خطايا الذهن الخام . الإنسان (كمفهوم خَلقي إلهي) منحته الذات  الإلهية المنزَّهة المتعالية ، المسؤولية كخليفة في الأرض ، وجوده إمتياز إلهي واجب التأسيس عليه ، و الإعتقاد به كمنطق إستقرائي و حقيقة ثابتة لا تقبل تأويلاً كيفياً و دحضا اُحاديا ، لذلك الإنسان يجمع الشيئين الوسيلة و الغاية ، و ما بينهما بداية الخلق و قيام الساعة ، بدء البدء إحساسٌ و إدراكٌ و إنتهاء النهاية مُوجِبات إتقان الحقيقة المعرفي . الله العظيم ربّنا له الديقراطية المطلقَة ، لن يجبر أحداً علىشيء ما دون قناعة ذاتية رغم توفر الحقيقة المرئية و اللامرئية ، و لكنه الخيار و الإختيار و الإقناع و الإقتناع ، عبد الأوثان حر في خَياره رغم وجود آليات الإستقراء و الحدس ، عبد الذات الإلهية  (الله ) حر في عبوديّته رغم وجود النقيض ، ولكنه مسؤولية الإختيار  .
•     النتيجة هي ، الإنسان ( المحور ) حرٌ بتكليف إلهي ، و لكنه عبد لخالق جَلّ شأنه ، كإرادة       وذهن و إحساس و حدس و إلهام و إستلهام ، مِنْ غير المعقول أنْ يغدو عبداً لغيره ( عبد مثله ) ، أو عبداً للمال الذي في غالبه مصدر مفسدة و إنحراف الطهر الإنساني في المقذََس الملهَم و الملهِم ، الذات الإنسانية قيمة عليا مفدَسة ، معاييرها إستراتيجية لإصطلاح الأشياء و الموجودات في المعنى و الجوهر والتصوّر و التأثير ، و إعادة التشكيل و التأسيس عليه  .

 

أضف تعليق