في ذكرى مجزرة كاورباغي الأليمة عام 1946

 

أن التركمان قد تعرضوا إلى أقسى ممارسات الصهر القومي والاضطهاد العنصري والمجازر العديدة منذ عام 1918 من

 

فلاح يازار اوغلو

أن التركمان قد تعرضوا إلى أقسى ممارسات الصهر القومي والاضطهاد العنصري والمجازر العديدة منذ عام 1918 من قبل الأنظمة المتعاقبة على الحكم في العراق  ومجزرة كاور باغي هي من إحدى المجازر البشعة التي ارتكبت بحق التركمان المسالمين ومنهم عمال شركة نفط العراقية . وجاء ذلك بعد مجزرة تلعفر عام 1920 حيث خرجت أهالي تلعفر باحتجاج ضد جيش الاحتلال الانكليزي لرفضهم دخول الجيش الانكليزي إلى مدينة تلعفر التركمانية .
ثم جاءت مجزرة التياريين ( الليفي ) عشية عيد الفطر المبارك المصادف الرابع من شهر أيار عام 1924ثم تلتها مجزرة كاور باغي التي حدثت يوم الثاني عشر من شهر تموز / يوليو عام 1946والتي سميت بمجزرة كاورباغي نسبة إلى مكان الحادث وهو بستان زيتون يسمى ( كاور باغي ) أي بستان الواقع في منطقة القورية .
حيث بدأ عمال شركة نفط العراقية بإضراب في يوم الثالث من تموز عام 1946 بالمطالبة بحقوق عمال شركة النفط ( I.P.C ) ولزيادة أجورهم وتهيئة دور سكن لهم وتوفير وسائط لنقل العمال من المدينة الى الشركة وبالعكس ، وفي يوم 4 تموز قام لاعمال بمظاهرة سلمية في شوارع كركوك وأمام دار المتصرفية ، وقابل وفد العمال وكيل المتصرف والذي أوضح لهم بان المفاوضات جارية مع الشركة بشان مطالبهم ، وطلب منهم التفرق والعودة الى أعمالهم ، وقامت مديرية الشرطة بإرسال دوريات الى مخارج المدينة المؤدية الى الشركة فألقت القبض على احد عشر عاملاً .
لقد حدثت هناك سلسلة من الإضرابات العمالية وكان أولها إضراب عمال السكك في 28/شباط / فبراير من عام 1946 من اجل المطالبة بإعادة فتح نقابة السكك وزيادة أجورهم وإيقاف تصرف مديرية السكك الكيفي بطرد العمال وتغريمهم . وكذلك إضراب عمال المطابع في5 من آذار / مارس عام 1946 في بغداد .
وشهدت مدينة كركوك نشاطاً سياسياً مكثفاً من جراء تنظيم إضراب عمالي ضد شركة النفط العراقية ( I.P.C ) ، وبدأ عمال الشركة في 8 حزيران / يونيو بإرسال رسائل تهديدية الى ادارة الشركة تتضمن استياء العمال من عدم مساواتهم مع زملائهم الآخرين في الدول المجاورة على مخصصات ( غلاء المعيشة ) . وعلى اثر وصول الكتب التهديدية اتصل مدير الشركة بمدير شرطة كركوك الذي حصل على موافقة الجهات المختصة لفتح مخفر للشرطة داخل الشركة .
وفي يوم 13 حزيران / يونيو عام 1946 أرسل العمال وفداً يمثلهم لمفاوضة مدير الشركة وعرض مطالبهم عليه ، فتعهد المدير باجابة مطالب العمال ، ثم  قابل وفد من العمال متصرف اللواء ( محافظ ) وعرضوا مطاليب العمال عليه وقد هدد الوفد بإعلان الإضراب إذا ماطلت الشركة في الاستجابة لها ، واصدر المتصرف في 19حزيران / يونيو بياناً الى عمال الشركة ، أشار فيه الى الطرق الأصولية في المطالبة بالحقوق ورفع الغبن ، واستجاب العمال لبيان المتصرف واعطوا الشركة مهلة لمدة اسبوعين تنتهي في يوم 3 تموز / يوليو ، فلما لم تستجب الشركة بمطالبهم أعلن العمال الإضراب صباح يوم 3 تموز / يوليو .. 
ومقابل ذلك أرسلت مديرية الشرطة دوريات الى مخارج المدينة المؤدية الى الشركة ، فألقت الشرطة القبض على احد عشر عاملاً واصدر وكيل المتصرف أمرا شفهياً بتوقيفهم بتهمة محاولتهم منع العمال من الذهاب الى الشركة .
وفي يوم 5 تموز/ يوليو عام 1946 اجتمع العمال في بستان كاورباغي ومنه توجهوا بشكل مظاهرة الى سراي الحكومة وكانت الشرطة تراقب المظاهرة ، وعند وصولها الى السراي دخل وفد من العمال لمقابلة وكيل المتصرف الذي اخذ ينصحهم بالعودة الى أعمالهم الى أن يتم حسم قضيتهم مع الشركة بصورة نهائية ، وطلبوا وكيل المتصرف إطلاق سراح العمال الذين أوقفتهم الشرطة في يوم 4 تموز / يوليو ، فأمر معاون الشرطة بإطلاق سراحهم ومن ثم عاد العمال الى الاجتماع في كاورباغي صباح يوم 7 تموز / يوليو.
وفي يوم 8/تموز عام 1946عين السيد حسن فهمي المدفعي متصرفاً للواء كركوك وحال استلامه المهام اتصل بالعمال والشركة من اجل توصل الى حل نهائي . واصدر يوم 9/ تموز بيانا تضمن بعض الوعود للعمال ولكنها لم تكن قطعية فلم يستجب لها العمال .
وفي يوم 11/ تموز عاد المتصرف بالاتصال بالعمال دون جدوى ، وفي يوم 12/ تموزعقد المتصرف اجتماعا مع ممثلي العمال وكرر عليهم الطلب بالعودة الى أعمالهم ، ولكنهم رفضوا وأعلنوا أنهم لن يعودوا الى العمل إلا بعد أن تعلن الشركة قبول جميع مطاليبهم ودفع أجور أيام الإضراب.         
وفي يوم 13 تموز / يوليو توجه العمال إلى كاورباغي للخروج بالمظاهرة الى الشوارع إلا أن قوات الشرطة قامت بمحاصرة المتجمهرين في كاورباغي من الغرب والجنوب مدينة كركوك وكان العمال يطلقون الهتافات ، فتقدم إليهم معاون الشرطة سعيد عبد الغني وانذرهم بالتفرق ثلاث مرات ، فلم يتفرقوا ، فأمر أفراد الشرطة الخيالة بتفريقهم بواسطة العصى فحدثت بعض المناوشات بالحجارة بين الطرفين ، إلا انه سرعان مابدات الشرطة بإطلاق الرصاص من بنادقهم باتجاه العمال وسقط (6 ) شهداء و ( 14) جريحاً ، وقيل هناك عدداً من الجرحى لم يراجعوا المستشفى خوفاً من المحاسبة . ولم تذكر المصادر أسماء الجرحى والشهداء سوى اثنين من الشهداء منهم : ( حبيب سيد صالح ، شاكر مردان ) .
وبعد انتهاء الإضراب عقد الوفد الرسمي اجتماعاً مع مدير الشركة حضره متصرف لواء كركوك واستمر خمس ساعات بحثت فيه مطاليب العمال واتفق الطرفان على اجابتها ، وبذلك حصل العمال على مطاليبهم ولكن ليس قبل تقديم القرابين من أبناء المدينة الأبرياء .
ومن المعلوم لقد اثر هذا الحادث تأثيرا بليغاً على الرأي العام في كركوك الذي اظهر عطفا كبيرا على المصابين وقد اشترك عدد كبير من جماهير كركوك في هذه المظاهرة ومن ضمنهم عدد من النساء من عوائل الجرحى والشهداء .
ومن جانب أخر هاج الرأي العام العراقي لهذه الجريمة النكراء التي راحت ضحيتها نفوس أبرياء من أهالي كركوك وكذلك قدمت الأحزاب السياسية العراقية احتجاجات شديدة بحيث اضطرت الحكومة الى اتخاذ إجراءات تأديبية معينة منها عزل متصرف اللواء وطرد مدير الشرطة  ونقل رئيس المحكمة الاستئناف وبعث بقاض ليتولى التحقيق بالقضية .
وجاء في تقرير قاضي التحقيق : انه يدين الإدارة ملقياً اللوم فيما حصل على سوء تصرف السلطة ، مؤيداً بان العمال والأهالي كانوا عزلاً ، ولم يكن اجتماع العمال مخلا بالأمن ، لأنه جرى في محل بعيد عن مركز المدينة  .
ورغم هذه المجازر الجماعية والظلم والاضطهاد العنصري ظل الشعب التركماني صامداً ومناضلاً ومحافظاً على أصالته ومسيرته الجهادية في خدمة القضية  التركمانية العادلة .
واليوم التركمان مدعوون إلى توحيد صفوفهم وخطابهم السياسي والتفافهم حول القيادة السياسية الشرعية لأجل حصول شعبنا التركماني على حقوقه المشروعة والعيش بسلام وآمان في العراق الجديد دون تمييز ..


المصدر : 
1ـ الأستاذ عزيز قادر الصمانجي ـ  التاريخ السياسي لتركمان العراق ـ دار الساقي الطبعة الأولى عام 1999

أضف تعليق